![]()

![]()
| مجلات أدبية بالإنجليزية |
|
|
|
|
|
|
|
منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون albawtaka@albawtaka.com تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!
![]()
|
البوتقة |
|
فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية |
|
تصدر من جمهورية مصر العربية |
|
العدد الخامس والعشرون، إبريل 2010 Twenty-Fifth Issue, April 2010 |
|
|
تكرم الصندوق العربي للثقافة والفنون بدعم العدد الخامس والعشرين من مجلة البوتقة |
|
تكرم ستيڤِن هايتِن بالموافقة على نشر قصة "الموتى المرئيون" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له. |
|
Mr. Heighton was so kind to permit the publication of the Arabic text of "The Dead are More Visible" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Heighton a great debt of gratitude for his kind permission. |
|
"The Dead are More Visible" by Steven Heighton. Copyright © 2007 by Steven Heighton. Originally published in The Walrus, December 2007. Published by kind permission of Steven Heighton. All rights reserved. |
|
الموتى المرئيون ترجمة: هالة صلاح الدين حسين Posted: Apr.-01-2010 موقع ستيڤِن هايتِن الرسمي: |
Photo: Bernard Clark |
|
كانت النوبة الليلية تعني أجر نصف نوبة زيادةً ولكنها كانت لتشتغل خلال هذه الليالي من شهر يناير – تَغمر حلبات الجليد الصناعي بالمياه في المتنزه – مقابل الأجر المعتاد. عمِلت وحدها, وقد راقها ما غلَّف المكان من سكينة. احتفظت في حجرة المكتب الصغيرة المُلْحَقة بكوخ المتزلجين الدافئ بترمس قهوة محلاة بقدر وافر من السكر وجهاز راديو/مُشَغِّل أقراص مضغوطة اشترته حديثاً وعدة مجلات ورواية مرعبة أو أخرى رومانسية. كانت تعبئ هذه الحاجات بيد العناية في حقيبة أسطوانية من القماش لتأخذها معها إلى البيت عند انتهاء النوبة في ظلمة الصباح الباكر. يسألها الأصدقاء إن كانت الوحدة تَنزل بها. بالطبع, أحياناً, لكنك إن كنتَ مضطراً إلى الاختلاء بنفسك ليلاً في جميع الأحوال, يَحسن بك أن تعمل لتجني نصف أجر إضافي بدلاً من البقاء وحيداً في الفراش. كما وفَّر عليها العمل دون ثانٍ جلبة لا داع لها – التعامل مع الرؤساء أو زملاء يضمرون دوماً شكاوى يرغبون في مشاطرتها ويريدون منك أن تتبنى وجهة نظرهم. اتسمت علاقة إلين بهم بالود ولكنهم ناكدوا بعضهم بعضاً في أغلب الأوقات, ومَن يحتاج إلى المكوث بالقرب من تلك المناكدة؟ دائماً ما وجدت نفسها تنسجم انسجاماً طبيعياً مع الناس. لم تستوعب ما يتصف به العالَم من سوء طبع شائع بين الجميع. وكثيراً ما بدا من الأسهل – وإن لم يكن من الأفضل تماماً – أن تبقى وحدها. كان الرؤساء في وظائف سابقة يتفرسون فوق كتفها طيلة الوقت – الحق أنهم تحسسوا كتفها في أحيان كثيرة. انعدم ذلك التحسس منذ بضع سنوات مضت, ولم تفتقد تلك الأيادي الحميمية على أنها غالباً ما افتقدت حقاً النظرات, كل العيون الشاخصة الصريحة الجائعة التي ساعدت على تعريف سنوات مراهقتها ومستهل عقدها الثالث. ومع ذلك لم تلق قط في الوحدة صعوبة زعمت بعض صديقاتها وجودها. لو كنتَ تتواءم مع الناس لتواءمتَ مع نفسك. قاعدة عامة اعتقدت بها. لقد كانت, بمعنى ما, مهيأة لهذه المرحلة من حياتها. فلتنظر إليها من تلك الزاوية. بعد انقضاء الساعة الأولى تقريباً, ساعة أمضتها في غمر الحَلبة اللامعة وملعب الأطفال البيضوي, كانت تَرجع إلى حجرة المكتب لتستدفئ بدفئها على حين يَجمد الثلج. تفتح سوستة في صدر بذلة ترتديها فوق الدراجة الثلجية ثم تُخرج قدميها بسرعة من جزمة ماركة سوريل وتعود لتتكئ على مقعد شبيه بمقاعد المؤتمرات بجوار مدفأة صغيرة, ترشف القهوة وتقرأ. تطالع الليلة رواية الباحثون عن الصَّدَف, وسوف تقرأ على الأقل نصف عدد صفحاتها البالغ 582 صفحة قبل بزوغ الفجر. بعث المهرجون في نفسها السأم عدة سنوات. بلا جوهر, بلا مفاجآت. يرافقونك قرابة ساعة ثم يتبخرون دون ترك أثر. أمَّا روايات الرعب – هذه الليالي المتجمدة, المقفرة من البشر – فقد كانت مخصصة بالضبط لها. راقها توماس هاريس وإتش. بي. لافكرافت, وقد كانت تعيد مؤخراً قراءة كتابات ستيفِن كينج الأولى. ووفقاً لبرودة الليلة, بعد ساعة أو اثنتين من القراءة تحت أنبوب النيون الوحيد, سوف تُسَيل المياه مرة ثانية وترتدي قفازيها المصنوعين من الصوف, وفوقهما زوجان من القفازات المطاطية الصناعية, ثم تَخرج في جولة أخرى من الغمر. سوف تُكمل جولتها الثالثة أو الرابعة الليلة قُرْب بزوغ الفجر. فاتت ثلاث ليالٍ قارصة البرودة حتى اكتملت الحلبات في كل متنزه, وبعدها استلزمت الكثير من أعمال الصيانة, ليلاً ونهاراً. كانت تؤْثر هذا المتنزه على سواه – متنزه الهياكل, اسم غير رسمي أطلقوه عليه لأنه كان المقبرة الرئيسية بالمدينة إبان القرن التاسع عشر. راقتها حجرة المكتب, إذ كانت تُفضل حرارة كما النار بثتها المدفأة الصغيرة لتدفئ جسمها على ألواح التدفئة الإلكترونية المتاحة في الحجرات الأخرى الأوسع. قطعت جل سنوات نشأتها في هذا الجانب من البلدة. نال منه التغيير ولا ريب. انتقل إليه الطلبة والمهنيون الشبان, جددوا العقارات القديمة المعروضة للإيجار لتحيط بالمتنزه من أربع جهات – مبانٍ جميلة المنظر مشيَّدة من القرميد الأحمر على الطراز الفيكتوري أسبغت على المتنزه نوعاً من الإطار المحترم الزائف, نظراً لأن ما قبع خلفها كان مئات من المنازل الأضيق تصطف في شوارع ضيقة خالية من الأفنية, أغلبها صفوف من مبانٍ سكنية منخفضة بناها الباني من آجر أصفر بلون القيء وكسا جدارنها بألواح من الألومنيوم. كانت قد تَرَبَّت في أحد تلك المنازل الضيقة وتزلجت هنا في طفولتها منذ أربعين سنة. الواقع أن مديراً لا يزال يرأسها إلا أنها لم تضطر البتة إلى التعامل معه هنا. وهو ما لا يوحي بأنه ضايقها في العمل. فقد جمَعت بينهما المودة. كان رجلاً قصير القامة صحيح الجسم مختال المشية في نحو الثلاثين من عمره. أجرى ذات يوم اختباراً للالتحاق بأحد الفرق التابعة للاتحاد القومي للهوكي, تاه من ذاكرتها كلية اسم الفريق. تعامل معها تعامله مع واحد من الرجال حتى إنه كان يخاطبها بكلمة "رجل" – بدون أن يناديها فعلياً بـ "يا رجل." قطعاً يا رجل. بودي يا رجل أن أبوح إليك. تريدين متنزه الهياكل هذا الشتاء, كله مِلْكك يا رجل. ربما آثر الاعتقاد بأن أي شخص أكبر منه حجماً بكثير, وربما أقوى, ينبغي أن يكون رَجلاً. لم تكن إلين متينة البنيان فحسب – تعبير مفعم بالتهكم كان زوجها السابق يكرره – إنما تميزت قامتها بالطول. أتت من ناحية من نواحي البلدة غلُظ بنيان أغلب نسائها بشدة خلال العقد الرابع من أعمارهن, وسرعان ما زاد وزنهن مقارنة بوزن رجالهن. نحِف الرجال نحافة الأوتار واتخذت وجوههم طلعة تجعدت قسماتها وانجلت وردية من فرط الفرك, وكأنهم نظفوا بشرتهم بورق صنفرة, فيما عكست أعينهم تعبيراً فجاً يخيم عليه القلق. أعفت الطبيعة إلين من وجوه أخواتها الأكبر سناً, وجوه منتفخة شبيهة بالأقمار, بيد أنها ألْفت ملامحها تتضخم باللحم وتبدو رجالية بينما تعزز جسمها وتضاعف حجمه تقريباً مثلها مثل زوجة قروية تكدح كدحاً في عصر آخر. هجرها زوجها منذ سبعة أعوام. بلا أطفال. لم يرغب جافِن قط في إنجاب أطفال, وقد حسبت حينذاك – بل وسلَّمت – أن الأوان قد فات. بلَغت السادسة والأربعين, ولم تعد تَخلف أثراً في الرجال. اشتغلت مع رجال كثيرين – كان كل طقم الصيانة والمهام الخارجية بالمدينة تقريباً من الرجال – وقد تحلوا باللطف والاحترام, وما راودها أبداً الشعور بأنها غير مرئية على الإطلاق إلا بالقرب منهم: رجال أشداء زاخرون بالحيوية والنشاط يتحدثون إليها وكأنها صاحب من أصحابهم أو يتكلمون عن النساء على مسمع منها. حينما كانت تنهض بصيانة الحَلبة نهاراً, امتد بصرها إلى الصِبية وهم يَلعبون هوكي الجليد أو الأطفال الأصغر وهم يتزلجون حول الملعب البيضوي في دوائر مرتعشة مرسلين أصوات قصيرة خافتة على حين جلست الأمهات يتفرجن ويهللن مشجعات – لا مراء أن هذا المشهد قادر أيضاً على أن يحتك في صدرها. وبوجه عام وجدت البقاء هنا ليلاً خير لها. بل إنها لم تنفرد بنفسها في الليالي القليلة الماضية. ففي الجانب القصي من حَلبة الهوكي منخفضة الألواح, ثمة رجل يقف بلا حراك تحت أحد أعمدة الإنارة إلى جوار سبيل مُعَبَّد بالأسفلت يغطيه الجليد. ظل قائماً هناك ثلاث ليالٍ. أَولى ظَهْره للحَلبة ليواجه مسلة من الحَجر الجيري ارتفاعها خمس وعشرين قدماً أشرفت على هذا الطرف من المتنزه. لم يرتد ملابس تُلاءم الموقف. إذ كان يَلبس قبعة بيسبول وسترة بنية قصيرة من الجلد وبنطالاً أزرق من الجينز وجزمة من جزم عمال التشييد. وصلت الحرارة إلى نحو خمس عشرة درجة تحت الصفر. كان قد تحدث إلى إلين في الليلة الأولى من الغمر أثناء عملها في الركن الشمالي الغربي من الحَلبة – اقتربا بما يكفي لأن يتكلما بأصوات مرتفعة قليلاً. كانت تُلوح بفوهة الخرطوم من جانب إلى آخر لتصب طبقات من المياه فوق جليد يزداد عمقاً. خطا بين الفينة والأخرى خطوة أو اثنتين صوب المسلة ثم كفت قدماه ليستأنف وقفته المتيبسة. لاح كمنْ ينْعم النظر في الشيء. تراجع بعدئذ عدة خطوات ثم أَقدم على خطوة جانبية. شاهدته بركن عينها دون أن يعتريها قلق زائد منه. كان المتنزه معروفاً بالمناظر الغريبة. فهو أشبه بملجأ يلوذ به مدمنو المخدرات والخارجون من السجن شريطة حسن السير والمقيمون في دور النقاهة العقلية والمترددون إلى مستشفى المجانين, قطاع متنقل من السكان يشتمل على مجموعة غير مؤذية في الأغلب من غريبي الأطوار. كان قد أدار رأسه وتطلع إليها سريعاً من فوق كتفه شأن رامٍ لكرة بيسبول يتفقد العداء عند الركن الأول. أبقت حافة القبعة وجهه في العتمة غير أنها تمكنت من رؤية لحيته, فاتحة اللون, حسنة التشذيب. تمتع بمنكبين عريضين, بنية جذابة. هل شهدتِ معجزة من قبل؟ سأل. ها قد بدأنا, حدَّثت نفسها بشيء من التسامح. ثم ردت في نبرة تتلون بالود, تكاد تكون النبرة التي تستعين بها لفتح أي حوار: المسألة تعتمد على قصدك. تشعر بدفء كاف في الخارج؟ يجب أن ينقلوها, نبس. كان صوته مهذب اللهجة لا يخلو من تعقل. ماذا, المسلة القائمة هناك؟ إنها شاهد قبر. يتولاهم الاستياء من وجودها هنا. إنها تُثْقِل على نفوس الموتى. تحدثتَ إليهم؟ مال رأسه بما ينبئ عن مكر. يكفي أن أقول إن أخبارهم تتناهى إليّ. هناك أربع وعشرون ألفاً منهم. إن الموتى مرئيون عنا. لا يبدو رقماً ممكناً, أليس كذلك؟ سألت. في مثل هذه المساحة. سمعتُ أنهم ثلاثون ألفاً. إن لهم حق قانوني في هذه الأرض. إنهم أربع وعشرون. وهم ممتعضون من ذلك الشاهد. لا ديمقراطية في هذا الوضع. كانت قد قرأت اللوحة المثبَّتة في المسلة لأول مرة وهي طفلة في الستينيات. شيدها أبناء الأبرشية من الحجر الجيري المحلي عام 1826 لإحياء ذكرى وفاة قسيسهم الميت "في عامه الثلاثين." وفي خلال سنوات صبا إلين ومراهقتها, ما كان الشيء سوى مَعْلَم آخر من معالم الحي, شيء يقذفونه بكرات الثلج (نقطتان إن ضربتَ رأس القمة الأعلى, نقطة إن ضربتَ الكرة الحجرية أسفله), شيء مدعاة للدعابة (شكله يقترب من القضيب, كلمة "انتصب" مكتوبة على اللوحة), شيء يتسلقونه (كل بضع سنوات يَسقط شخص من القاعدة العلوية ليَكسر ذراعاً أو يصاب بارتجاج). تخال نفسها قادرة وقتذاك على إدراك ما يرمي إليه الرجل: غابت كل الشواهد منذ دهر, انتزعوها من الأرض كالأسنان المكسورة منذ ما يربو على قرن فات على حين ظل هذا النُّصْب التذكاري, يعلو على المتنزه وموتاه المحشورين المكدسين غير المرئيين. بمقدوري أن أحرك الأشياء بعقلي, أنهى الرجل إليها. أحرك الأدوات على مائدة المطبخ. لو حملقتُ إليه بقوة كافية, أستطيع أن أحرك هذا الشاهد. ينبغي عليّ أن أضبط الزاوية. إنها تُثْقِل على نفوس الموتى. وبمجرد أن أنقلها, سوف أخفيها. بإمكاني أن أخفي الأشياء. أليس باستطاعتك أن تخفي شيئاً آخر؟ – رفَعت نبرة المزاح كي تُفهمه مرماها – مبنى الضرائب الكندي؟ سجن كينجستِن؟ فهذا المتنزه يتطلب الكثير من النظرات المحملقة. شملت الظلمة وجهه أسفل حرف البقعة. يود الموتى تحريك هذا الشاهد وإخفاءه, أطلعها. ما كنتُ لأختار أن أنفق أمسيتي في هذه المهمة. لا شك أنها أمسية باردة, فاهت. لم ينصرف عنها طرْفه بضع لحظات. حسناً, حظاً سعيداً, قالت له. قصدي, أنا فاهمة وجهة نظرك. سأَعبر الآن إلى الجانب الآخر. حَذارِ من البرد. شدت الجزء المتدلي من الخرطوم وطفقت ترتكز بإحدى رجليها في بقعة ثم تلف جسمها لتحط الرجل الأخرى أمامها في اتجاه الألواح البعيدة لتتفادى الأماكن المنقوعة لتوها. وباستطاعتي أن أَعلم – صاح موجهاً الخطاب لظَهْرها – إن كان المرء طيب القلب. أرنو إليهم فأقف على حيواتهم! تحولت إليه بوجه تعمه ابتسامة عريضة – مَن له أن يقاوم مثل ذلك العرض؟ لو كان عرضاً. فما أنا إذن؟ قابلت نظرته المسلَّطة على وجهها دون أن تتجلى منها عينان. ما عرَفت مشقة – حتى وهي وحيدة أو مجروحة – في أن تواجه أية نظرة بمثيلتها. ما اكتنفها إحساس بالذنب. أنتِ طيبة القلب. انطبعت ابتسامة ثانية على ثغرها. شكراً. حَذارِ من البرد. الليلة الثالثة للغمر, 2 صباحاً. عملٌ كثير في الأركان وعلى طول ألواح ينثني عندها الجليد دوماً وتغشيه الحُصي. لم يزل منتصف حَلبة الهوكي غائراً, وسوف تحتاج إلى ألف لتر أخرى من الخرطوم. بيد أن كلتا الحلبتين سوف تجهزان بحلول الصباح. في البداية لم يَظهر الرجل هذه الليلة. ثم بان للعيان, ربما بعد نصف ساعة. كان عليها أن تخمن الوقت لأنها لم تسمعه أو تراه وهو يَحضر. لو كانت هذه واحدة من رواياتها المرعبة, لكان شبحاً انبعث حياً من أرض المقبرة القديمة. كانت تنقل فوهة الخرطوم في تمهل من جانب إلى آخر, تطفو على غير هدى في خواطر ليلية راحت تهيم شاردة, تتقوس, تتوارى في الجحور, تَرجع أدراجها من نفس السبيل, على العكس من خواطر النهار الماضية إلى مواقع عملية, وحينها ارتقى طرْفها لتجده هناك, يجابه المسلة, من نقطة أقرب ليلتئذ... وفي الليلة الثانية تبادلاً السلام دون زيادة. استشعرت جديته وتركيزه العميقين. عل إحباطاً يساوره هو الآخر, أو خوفاً من الفشل. هل يخاف المجانين من الفشل خوف العقلاء منه؟ دار جافِن عند ذاك ببالها. كل مغامراته قصيرة العمر. أوقع رحيله فيها شعوراً ما بالارتياح – فغرْس الإحساس بالأهمية في نفْس رجل يناضل في سبيل النجاح مهمة تستعصي على الإتمام – ولكنها اشتاقت إليه أيضاً. اشتاقت إليه في الليل. استغرق فكرها بضع لحظات في إحساسها بغياب جافِن ليلاً. ثم علا ناظراها: صيحات جشاء سكرانة. الظاهر أن ثلاثة فتيان يَقطعون شارع بالاكلافا مقتربين من السبيل. سعِدت لأن الرجل لم يقف في السبيل ليلتها. فقد عاشت هنا سنوات طويلة تكفي لتمييز المشاكل من لمحة واحدة. تبدت على وجوههم نظرة جديرة بنظرة حاصد الأرواح – هيئتهم موحلة, وجوه مستترة, تكسو كل واحد منهم طبقات من كنزة غامقة فضفاضة تتصل بها قلنسوة. ارتدى أحدهم فوق كنزته سترة جلدية قصيرة أشبه بسترات راكبي الدراجات البخارية. ومثلما هو متوقع توقفوا عند السبيل مترهلي الأجسام, ليس بمنأى عن الرجل الذي كان يولي وجهه بعيداً, غافلاً عنهم فيما يبدو. كان واحد منهم – طويل القامة مهزول الجسم – يمسك شيئاً مثل العتلة. سارت بخطى متثاقلة لتَخرج من وراء الألواح وتقف في العراء بين الحلبات تاركة الخرطوم يصب مياهه في رقعة من الأرض تصل بين الحلبات دون أن تَصرف عينيها عما ينشأ من تطورات. بدأت كلمات التعيير – كلمات خفتت في البداية وتداخلت حروفها مما حال دون فهمها. لم يتزحزح الرجل قيد أنملة أو يلق نظرة خلفه. ربما كان منهمكاً كل الانهماك في تأملاته أو شاعراً بأنه على شفا النجاح. اقترب الفتى ذو السترة الجلدية. أنتَ يا رجل. لقد سمِعتُ عنك. اكتسب صوته حزماً ووضوحاً لم يسنحا لصوتيّ الآخرين: اسمع, حملِق في هذا يا رجل. دفَع ظهر الرجل, دَفعة لم تكن بالعنيفة, والتفت الرجل بالفعل في تؤدة مديراً نصفه العلوي من الخصر إلى أعلى. فاتت لحظة ثم أمال وجهه القابع في الظلام المحجوب بالقبعة شأنه شأن كلب رانت عليه حيرة لا تدانيها حيرة. دعوه وشأنه, هتفت. ندت عن الوجوه ذات القلنسوات التفاتة إليها في نفس اللحظة كما يليق بأفلام الرسوم المتحركة. قد يستدعي الموقف الضحك في ظروف أخرى. التفت الرجل على محور خصره مستعيداً وقفته السابقة. أخذ ذو السترة الجلدية يتحرك نحوها مباشرة ويداه في جيب سترته. اندفع في معدتها إحساس بالخوف. تبعه الآخران بحركات بطيئة سمتها الاضطراب – سوف يشق عليهم السير عندما يصلون إلى الجليد. استدارت لتواجههم وهم يَعبرون العتمة الواقعة بين أعمدة الإنارة. أدارت حلقة التحكم في الخرطوم نصف دائرة لتقلل من التدفق وتركت التيار يتجمع في بركة خارجية فوق الجليد قبالتها. كانت فوهة الخرطوم من صلب طوله نصف قدم يضيق تدريجياً لينتهي إلى فتحة بارزة الحافة قطرها بوصة ونصف. هو صديقك؟ زعق بها قائدهما وهو يدنو. كان جافِن خبيراً في المواجهات, وغالباً ما أبدى آراءه في خير الطرق للتعامل معها. لا تتورطي في حرب الكلمات, كان ينصحها مرسلاً خطابه إليها وكأنها تعبأ بما يقول – كان في الحقيقة يُطمئن نفسه ليس إلا. اتركي خصمك يقحم روحه في حالة من الاهتياج ثم باغتيه بعبارات تفقده الثقة بنفسه. توخي الهدوء والصمت ولا تشيحي بعينيك عن عينيه. أظنكما بالتأكيد صديقين. فكلاكما لا يتكلم. ما هذا؟ سأل الطويل. إنهما صديقان, أبلغه القائد. التمثال وماكينة تنعيم الجليد البشرية. تعالت ضحكات رفيقيه, صوت غير مبالٍ يترع بالفظاظة. عندما دخلوا محيط عمود الإنارة المجاور للحلبات, استطاعت أن تتبين أنهم ليسوا فتيان. أضفت عليهم القمصان الفضفاضة بقلنسواتها مظهراً أنحف وأصغر. كانوا في العقد الثالث من العمر. لم يمسك طويلهم بعتلة بل بمِقبض خشبي لمطرقة أو مرزبة. لم يزل القائد يسير قدماً, أخرج يديه من جيبه وأزاح قلنسوته ببطء, حركة ساخرة بدت وكأنها تلتزم بالرسميات. أظهرت شفتاه ابتسامة دون أن تنفرجا. استولى وجهه لحظات على كل ما أبصرته من مشهد. نعِم بوسامة أنزلت بها الدهشة. غاصت في جسدها رعشة انجذاب مصحوبة بنوبة أخرى من الخوف واقتحمت رحِمها, صدمتان توأمان اندمجتا واجتمعتا على نفس التأثير. نم وجهه عن قسوة وجمال. حاجبان قويان, عظمتا وجنتين استوتا في ارتفاع, عينان رماديتان ثقيلا الجفنين, شفتان ممتلئتان تطوقها لحية نبتت منذ أيام قليلة. قص شعره الغامق شَبَه الأجمة؛ أبرزت الجمجمة نتوءات وكأنها تخفي عضلات. لم تنفك تُلوح بالخرطوم بطيئاً أمامها. توقف الثلاثة عند طرف الجليد المبتل, على بعد خطوات قليلة من تيار المياه المنجرف ذهاباً وإياباً. انتثرت قطرات متلألئة من رشاش الماء على أحذيتهم الرياضية ونهاية أرجل بناطيلهم. كنت تتحدث إلينا؟ بلغها الصوت عميقاً وإن خرَج من الأنف, صوت خشن مثير للأعصاب لا يتماشى مع ذلك الوجه. ما قلتُ إلا دعه وشأنه. لا نريد أن نلتقي بغيرك على العموم. ارتقى بعينيه نحوها. وبعد لحظات انثنى قليلاً حاجبه الأملس واتسعت عيناه اتساع البئر. لقد استوعب المنظر. لم يفه بحرف. كان ثالثهم هو القائل, هل هذه... واحدة ست مثلاً؟ كان جسمه طويلاً مقعر الشكل, ذو وجه تسوده النقر, وقد تراءى أشد الثلاثة تأثراً بالخمر أو المخدرات. لا أَعرف, قال قائدهما كذباً. سَلْها بنفسك. هل هناك سيدة هناك؟ لم أر طوال حياتي الوسخة امرأة تغمر حلبة جليد. لقد رأيتُها, أفضى الطويل. أمرتني السنة الفائتة أن أتزفت وأبعد رجلي عن الجليد. لم أكن هنا السنة الفائتة, أخبرته. في ذلك المتنزه الآخر, 'داون باري.' طيب, أظن أن حَلبة الجليد لم تكن جاهزة, أعلنت. صوبت نظرة تشي بالأمل إلى الرجل المجنون. لم يكن يراقب شيئاً مما يجري. يجب أن تتراجع إلى الكوخ وتتصل بالشرطة. منعها مانع. قدماها بطيئتان, فلم تَجْرِ خطوة منذ سنوات. على الأقل هنا في الخارج يفصل بينها وبينهم الخرطوم والجليد المبتل. تبدو جاهزة الآن, جاهر الثالث. ماذا, هي؟ سأل الطويل وهو يرميه بنظرة فاجرة لا ينقصها الغباء. حَلبة الجليد. جرِّبها وتأكد يا زاك, أمر القائد. حاول زاك, قصيرهم, أن يتزلج على السطح إلى ما بعد بركة المياه. اندفعت قدمه الأمامية عبر قشور من ثلج نصف ذائب. بدأ ينقلب إلى الأمام فلوح بذراعيه ليرتمي إلى الوراء على مرفقيه ومؤخرته. يمْكنك أن تسمع عظامه عند الارتطام. تكور على أطرافه الأربعة – يديه وركبتيه – ولبث على هذه الوضعية ورأسه متدلية. طيب, تستطيع أن تنهض الآن, قالت. إنك تتلف عملي. ينبغي أن تتحرك. لنا رغبة في رؤية حجرة مكتبك أولاً, صرح القائد متجاهلاً صديقه المجروح. لن يَحدث. لقد زرنا بالفعل كوخ ذلك المتنزه الآخر. شمال هايتس. أكيد, ردت. تظنينني كاذباً. كان الشحوب يحل على وجهه. لاح على استعداد لانتزاع فروة رأس أحدهم كدليل. كان وولت أنجِر – مدخن ضئيل الجسم ثرثار إنما خجول يولع السيجارة بالسيجارة – يغمر الحَلبة في ريدو هايتس. قام زاك على قدميه وهو يفرك كل مرفق مبلول باليد المقابلة – حركة غلام صغير مجروح. حفَل إجفاله بالغضب غير أنه نظر إلى الجليد بعينين تدلان على الجبن نظرته إلى شيء حي قد يطيح بقدميه عن الأرض لو أقدم على حركة واحدة. وسخة, سبَّ ولكن البادي أن الشتيمة لم تكن موجَّهة إليها. خيراً, لم تضطر إلى إبداء رد فعل. فلنذهب, دعا القائد, وللحظة حلقت معها في السماء خالت أنه يخاطب صديقيه, يُعْلمهما أن عليهم الرحيل. غير أنها استشعرت بعدئذ عينيه الباردتين الرهيبتين تندفعان عميقاً داخل جسمها. تقدمي الطريق, أمر. لو دخلتُ ذلك المكتب, سيكون بغرض الاتصال بالشرطة. كما أن المكتب فاضٍ. هل تظن أن أي أحد منا يَجلب نقوداً إلى هنا لقضاء نوبة ليلية؟ بدا كمن يتدبر كلامها بعض التدبر. ثم قال, صديقك في الحَلبة الأخرى جلَبها. ماذا؟ جلَب نقوداً. عندي شك كبير في ذلك. استحال وجهه أكثر امتقاعاً من ذي قبل. ما ارتاح لتشكيك الآخرين في قوله. تعرفين؟ نطق والتجهم يريم على ملامحه شأن منَ اكتشف لتوه معلومة ألحقت به عظيم الدهشة – أنتِ بلهاء. ماذا؟ بلهاء. فرت من زاك ضحكة هيمنت على الصمت. بلهاء. لا الكلمة البادئة بحرف الميم, ولا الكلمة البادئة بحرف العين, ولا الكلمة البادئة بحرف الواو. لم يقض جافِن قط فترة في السجن مثل آخرين في عائلته – كان يدير سلسلة من محال الفيديو والمُعَلَّبات, يحاول أن يضمها إلى أحد التوكيلات ثم يخفق في محاولاته – إلا أن قليلين من أصدقائه أيام الصبا دخلوا السجن, وهكذا اعتبر نفسه بالطبع خبيراً فيما يَحصل في الداخل. وقد كاشفها بأن أبله هي أسوأ لفظة يمكن إطلاقها على أحد السجناء. ابن الوسخة, فاشل, طيز, خراء – كل تلك الذخيرة من الكلمات سوف تُوقعك دون جدال في متاعب لا حد لها, ولكن أبله كانت الأسوأ. ربما لأنها توحي بمنتهى السذاجة, بمنتهى الاستخفاف. فابن الوسخة قد يمرغ في النهاية أنفك في أوساخه أو يوسخ خلقتك وخلقة مَن خلفوك. أمَّا الأبله فمثير للشفقة لا غير. لعل هذا الوسيم دخل السجن. دخل السجن من دون شك. فهو يَعرف كيفية استخدام الكلمة. إلا أن استخدامه لها ضايقها, بل وأحنقها, لسبب مختلف تمام الاختلاف. وبحركة خاطفة فتحت حلقة التحكم على آخرها وأدارت الخرطوم نحوه, ضيقت الفوهة بإبهامها المغطى بالقفاز كي يطلق رشاشاً أعنف. كانت لتُفضل أن ينعتها بكلمة لبؤة. فاللبؤة على الأقل أنثى. أو حتى لبؤة سمينة. شاذة مسترجلة. أي لفظة بهذا المعنى. كان هذا أسوأ من أن تكون غير مرئية, أسوأ من أن تتجاوزها النظرات أو تتجاهلها, وهو ما حدث طيلة الوقت, فليكن, تستطيع أن تحتمل, حسرة صغيرة تتواصل يومياً, كان من الممكن أن يصير الوضع أسوأ بكثير. غرَّقته من الركبة إلى أعلى, سريعاً إنما تماماً, لتنتهي إلى وجهه – لشد اغتياظها من ذلك الوجه المنحوت الطافح غروراً! ثم سددت الخرطوم إلى الطويل, ولكنه كان هو وزاك يرتدان سريعاً بأقدام خرقاء مبتعدين عن الجليد. تصلَّب جسم القائد الغارق في المياه – الوجه متقلص, الكتفين منحنيان, الذراعان متدليتان. مكث جسمه عدة لحظات على هذه الحال فيما تسلل الاسترخاء إلى ملامح وجهه واستعاد تركيزه. فتَح سوستة سترته ومد يده داخلها ليسحب زوجين من معاول الثلج حمراويّ المقبض, من نوعية المعاول التي يستعملها رُكاب الدراجات الثلجية لتخليص الدراجة إن وقعت في الجليد. وبواحد في كل يد متجردة من القفاز, اتجه إليها بحذاء يترنح فوق الجليد المبتل. تقهقرت إلا أن بطئاً شديداً لحق بها. أدارت الخرطوم صوبه مجدداً. ما أمسك عن السير, برأس منخفض وعينين نصف مغمضتين تُحدقان تحديقاً. مضى إليها الاثنان الآخران من كل جانب بنفس الخطوات الخرقاء. أبعدت إبهامها عن مخرج المياه. تألق وجه القائد وتشبع بالبلل, تسلطت عيناه الضيقتان, لا على عينيها, بل على نقطة أسفلهما, ربما ثغرها أو حلْقها. غشت عينيه غشاوة متلألئة, لا سبيل إلى النفاذ منها. ألمَّت به رعدة وهو يتقدم. لا جدوى من الكلام. ارتدت إلى بقعة أشد ظلمة بين عمود الإنارة وكوخ الإحماء, وقلبها يكيل لأضلعها اللكمات. شددت قبضتها على فوهة الخرطوم وكأنها هراوة والمياه تنبثق منها. اندفع اندفاعة عنيفة وهو يُلوح بالمعولين أمام وجهها محاولاً ضربها, ثم زلت قدماه إلى الأمام وفقد توازنه. احتارت أتضربه بفوهة الخرطوم أم تطعنه بها إلا أن جسمها اتخذ القرار, انطلقت صوب وجهه حين قاربها, عيناه مفتوحتان على مداهما, ثقلها بالكامل وقوتها وراء الفوهة. نصيحة جافِن مرة أخرى. لا يخامرك أي تردد في الضربة الأولى, على أنها لم تنفع جافِن في آخر الأمر. وافته المنية منذ ثلاثة أعوام خلت – بعد أربع سنين من هجرها – في إحدى المواجهات بشارع جون. صرخ من نافذة شاحنة إلى أن انهار, انفجر قلبه في النهاية بفعل سنوات من الحنق. اكتشفت أنه, برغم كل شيء, كان في حاجة إليها. فقد اتكل على مظهرها. لم تسلك إلين منعطف الغضب إلا في النادر, ولم تأخذ بأسباب حياة من الطرق السريعة. التحمت به فانتابها إحساس غريب, إحساس بالبلادة. ارتج وجه مهاجمها. بدا الخرطوم كالملتصق به. نترته إلى الخلف مذعورة فارتخى جسمه وخر على ركبتيه مسقطاً معوليّ الثلج. مد يده إلى وجهه. توقف الرجلان الآخران والجمود يستحوذ عليهما. شين؟ نطق الطويل بنبرة مرتجفة. ماذا فعلتْ بك يا رجل؟ كان يلفظ بأصوات جشاء كما النهيق. جثمت على الأرض ممسكة بالخرطوم الذي تدفقت منه المياه من جديد. خطفت معاوليّ الثلج ووضعتهما في جيبها ثم نهضت قائمة. شين؟ نادى زاك. عيني, قال. فارقت الكلمات فمه مكتومة. خفَض يديه وارتقى بوجهه إليها وصديقاه لا يزالان وراءه. حاق بها الإجفال وارتفع منها اللهاث – صوت حري بسيدة – سيدة في فلم, على وشك أن تغيب عن الوعي. أوقعت الخرطوم وركعت على ركبتيها. يا إلهي. ابتعدي, قال. أنتَ, وجهت كلامها إلى الطويل, أقربهما إلى الكوخ, ادخل واتصل بـ 911. 911؟ أتمزحين مزحة وسخة, يا سيدتي؟ أصبحت الآن سيدة. إننا في حاجة إلى سيارة إسعاف, أخبرته. مستحيل, سيقبضون علينا. فقط اطلب سيارة إسعاف! سيكون بخير. هيا يا شين. عيني! بدأ زاك يتحرك نحوهما, هي وشين. لا تتحرك! قالت آمرة. قد تدوسها. قصدك...؟ تهدل فمه وعبس وجهه عبوساً وهو يجاهد لفهم ما جرى. لا بد أن نبحث عنها. اتصل بـ 911, أمرت الطويل – دُسْ بحذر! رشق زاك بنظرة. فقال زاك, يمكننا مثلاً أن نتصل ثم نهرب بجلدنا. أنا محتاجة إلى كيلكما لمساعدتي في البحث. يبعثون دائماً سيارة شرطة أيضاً, قال الطويل. يستطيعون أن يعيدوها إلى مكانها, أطلعتهما, العين. كانت متأكدة كلية من هذه المعلومة. رمقت الكوخ بنظرة. ينبغي أن توقف سيل المياه. ما زالت تفيض من الخرطوم الراقد على ركبتيها والمياه تتموج حولهما, وقد تَحمل العين بعيداً نحو الظلمة. إنما لا يمْكن أن تكون بعيدة عنهما. استلقى شين مقوس الجسم على جانبه فوق الجليد المبتل, يتأرجح ويزمجر, وإحدى يديه على المَحْجِر الذي تدلى منه عصب معلَّق. كانت تفتش حوله, خلعت القفازات الأربعة بسرعة, أحدت نظرها, ربتت الجليد بيدين حريصتين. ما سال إلا بضع بقع من الدماء. من دون عين. لا بد أن التيار دفعها بمنأى عن متناول يدها بعد أن قلعتها فوهة الخرطوم. أرجوكِ, همَس, ساعديني. أنا آسف. سنعثر عليها, قالت. قل لصديقك أن يتصل بالإسعاف! الشخص الطويل. أحتاج إلى مساعدة يا جيب, اتصل! كان زاك يجر قدميه منحني الظهر, يكاد جسمه ينقسم نصفين وهو ينقب. الرؤية هكذا صعبة جداً, تشكى بنبرة عرَضية شأن سكران يبحث عن عُملة معدنية وقَعت منه. سار جيب بساقين محترستين ناحية باب حجرة المكتب. كانت إلين تزحف فوق جليد تعلوه برك صغيرة, ترسم دائرة حول شين. اتخذت سبيلاً لولبياً في دورات آخذة في الاتساع حتى تجد العين. رمت بناظريها إلى الرجل المجنون – ما زال يواجه المسلة, لا يدري بما حوله. انفتح باب حجرة المكتب على وسعه وأريق النور على الجليد. تمام! صاحت. دعه مفتوحاً. ياه, أظنني... يا للخراء. لا. كان زاك منحنياً, يتلمس شيئاً على الجليد. كانت تراقب عندما مال ببطء إلى الأمام غير ثابت القدمين. ظهَر جيب للعيان من حجرة المكتب. وقَف شبحه في المدخل لاهثاً كمن رجع من فوره ركضاً من هاتف عمومي قصي. حمَل بين يديه جهازها, جهاز الراديو ومُشَغِّل الأقراص المضغوطة. لقد اتصلتُ فعلاً, أعلمها. لا بد أن أرحل. آسف يا رجل. لم تكن واثقة ممن عناه بتلك الكلمة. دفَع قدماً واحدة ثم تزلج بالثانية مثله مثل لاعب لعبة الكرلنغ, جرى بسرعة وخفة إلى حيث انتهى الجليد عند طريق يفضي إلى شارع باي ستريت. وحين وطأت قدماه الرصيف, شرَع في العدو بأقصى سرعة, سرعة مبهرة بالنسبة لرجل ثمل يَحمل في إحدى يديه حملاً ضخماً. كان زاك يرقد عندئذ على يديه وركبتيه مثلها. كف عن البحث عن العين راصداً جيب والطريق يُغَيِّبه. خالته سوف يرحل هو الآخر بيد أنه واصل البحث. نادت, زاك؟ أنا ش-شين. همسة عبر أسنان ترتعد من العصبية. غطى الصقيع جلد سترته الأسود. لا, قصدي صديقك. أنا؟ قال زاك. استدار رأسه غير مستوعب. تعال إلى هذه الناحية. أشك أنها ذهبت إلى الألواح. خذ حذرك, نبس شين بلسان خافت, يستطيعون أن يعيدوها. كانت تبتعد عن شين, تدور في دوائر. ثم ظنت أنها رأتها. انزلقت ما لا يقل عن عشرين قدماً عند نقطة التقاء الجليد المبلول بركام جامد من ثلج جرفته المعاول لتوفير مساحة للحلبات. قبعت تحت ظل ذلك الركام. كانت لحظتها موقنة. زحفت في اتجاهها وأطرافها ترتعش. بدت العين وكأنها ترقبها بيقظة غير طبيعية, بل وبقدر من السخط, وكأنها ألْفتها بطيئة زيادة عن اللازم وهي تهب لإنقاذها. بل إنها لاحت من مسافة أقرب وكأنما تُحدق عبرها لا إليها, وكأنما تُحدق إلى شيء خلفها أو إلى ما وراءها. أظنني أراها! صاح زاك. لا بد أنه يشاهد البقعة التي تتوجه نحوها. ادخل الكوخ, هتفت رداً عليه. هناك أكياس في الداخل, أكياس بلاستيكية في علبة مناديل كلينيكس, بجوار قدمك على اليمين وأنت داخل. خذ كيساً واملأه ثلجاً وأحضِره هنا. لا, أحضِره فقط هنا. يوجد هنا ثلج. ماشٍ! دقيقة واحدة! وجدتها, قال شين من خلفها. ستكون على ما يرام, قالت. مدت يدها إلى العين ثم أحجمت, أرادت أن تلبس قفازها المطاطي. كان القفاز وراءها على الجليد بجانب شين. لم تلمس العين. قد تصيبها بالضرر. تراءى المنظر بشعاً أي بشاعة ولكنه أسَر انتباهها دون نقصان. ظهَرت الأعين منفردةً في روايات الرعب من حين لآخر غير أن تلك الأعين كانت في الغالب واعية, يقظة, تهديداً. اكتست هذه العين بطبقة زجاجية وكأنما فقدت اهتمامها بالعالَم. علها في سبيلها إلى التجمد. لم تتبد حقيقية. خزفٌ ذو حدقة من الزجاج الأزرق, مستديرة استدارة مثالية حتى إنها بدت غير حقيقية. لو أن هذا فلم, لتذمرت من المؤثرات الخاصة. مثلما حدَث عند انهيار البرجين التوأمين عقب فترة قصيرة من وفاة جافِن. إذ لاح المشهد أقل واقعية من الكوارث الاصطناعية في الأفلام. لم تكن متأكدة من مدى طراوة العيون, انطباعها أن المادة الأساسية تماثل تقريباً حلوى البودنج وإن تثبتت بغشاء تثبيتاً محكماً. تخيلت بصمات أصابعها وقد مكثت على العين, شكلٌ سوف ينظر من خلاله بقية حياته. سوف تنتظر كيس الثلج ثم تُدخلها بحرص بأحد مفاصل أصابعها. ولولت صفارات الإنذار من بعيد, تصاعد الصوت ببطء. ظلت على ركبتيها, جثمت منخفضة فوق العين وكأنها تحميها البرد. كوَّرت حولها يدين مرتجفتين من غير أن تمسها. وهكذا لم تضطر إلى رؤيتها. ألقت لمحة خلفها. توقف زاك في طريقه إلى الكوخ عندما بلَغ شين. وقَف مرتعش الأطراف فوق صديقه. ستُعَدِّي الأزمة يا صاحبي. الكوخ! هتفت. أريد ذلك الكيس. حاضِر. تابع السير مترنحاً, كاد يقع مرة أخرى. وبعدها أمال رأسه في يقظة مفاجئة مؤقتة خليقة بسكران. لقد ترامت إليه صفارات الإنذار. اقتربت على بغتة. حنى رأسه داخلاً الكوخ ثم بزغ وقد دب فيه النشاط وكأنما أفاق في الحال من سكره. تزلج نحوها على الجليد. ومضة مطارَد في عينيه. مدت يدها اليسرى في انتظار الكيس فناولها إياه بيمناه المنبسطة. وقَف فوقها لحظة وقد أسَره منظر العين. استرد شين ناظريه. لا بد أن أغادر هذا المكان, همس عالياً ثم خطا فوق الركام وأطلق ساقيه للرياح عبر المتنزه الأبيض – في الاتجاه المعاكس لجيب – ومنكباه يرتفعان وينخفضان وقلنسوة كنزته تتقشر عنه إلى الوراء. ركض مجتازاً المسلة, أدار الرجل الواقف هناك رأساً متيبساً ليرصده وهو يمر به. عندما اندمج عويل صفارات الإنذار لينقلب صرخة مهتاجة وحيدة, دست في الكيس حفنة من الثلج. كانت تبقي الأكياس في الكوخ حتى تلتقط روث الكلاب المتبعثر في المتنزه وأحياناً على الجليد. وبمفصل سبابتها دفَعت العين برفق إلى شَفة الكيس. تدحرجت داخله. لم تكن متأكدة أتحكم إغلاق الكيس أم تتركه مفتوحاً, التفتت وزحفت عائدة إلى شين. خافت أن تنهض – ربما تنزلق رجلها وتُسقط الكيس, بل إنها قد تقع عليه. زحفت على ركبتيها الاثنتين ويدها اليمنى فيما رفَعت يسراها الكيس بعيداً عن الخطر. جلَس شين وهي تدنو منه. كان ظهر اليد التي تغطي المحجر الفارغ أزرق اللون لا تلطخه دماء. العين الأخرى لا تحيد عن عينيها. كان يراها الآن, ينظر إليها بحق. واحدة من تلك المرات النادرة. أحياناً لا تتراءى الحياة إلا صراعاً لكسب انتباه الآخرين, نظراتهم الشاخصة. وهو ما كان جافِن يَصنعه في الواقع – حسبما تصورت – وهو يصرخ داخل تلك الشاحنة في النهاية... على مرأى منهما وميض أنوار سيارة الإسعاف وسيارتيّ الشرطة, تنطلق شرقاً في طريق أوردنانس. سوف يدورون ليدخلوا المتنزه من شارع باي ستريت, إلى جوار الكوخ. تواروا مجدداً عن الأنظار ولكن لم يبرح الصوت يشق الهواء. أظنك ستَقوم بالسلامة, قالت وهي تمد يدها إليه. لو أَقدر فقط أن أحتفظ بعيني. سوف تحتفظ بها. آسف. سوف يضبطون وجهك على الفور. لم تكن متأكدة مما تقوله. كادت تقول وجهك الوسيم. لو اضطررتُ أن أرجع إلى السجن, باح بكلمات اختلطت حروفها عبر شفتين أرجوانيتين, بوسعي أن أحتمل, لكن لا أريد أن أتعمى. ممكن أن أراها؟ أظن من الأفضل أن تؤكد لنا أنها العين الصحيحة, قالت. ارتج جذعه وكأنه انتفض بضحكة واحدة لكنها لم تكن متأكدة. فتحت الكيس. آه... يا يسوع, تفوه فيما كانت نفْسه تحدجه. حطت يدها العارية على كتفه. ارتجف جسمه تحت جلد السترة. تجمدت الثنايا القطنية في حِجر بنطاله الجينز, فبدا وكأن لديه انتصاباً هائلاً. لم يَجفل أو يتطلع إليها – لن يفعلها الآن. هل آذيتَ وولت, في الحَلبة الأخرى؟ ليس كما جرى هنا. بالكاد لمسته. خيرٌ لك أن تكون صادقاً. قبضت على قلنسوته وجذبتها بخشونة فوق رأسه. ومن أجل ع-ع-عشرين دولاراً. مستحيل أن يُصدق أحد حياتي. بمثل ذلك الوجه؟ سمِعت نفسها تُفكر. أحياناً ما كانت تفترض – افتراضاً متناهي الغباء – أن مليحي الطلعة يَجدون الحياة نسمة ربيعية. وكأن حياتها سهُلت عليها خلال سنوات المراهقة. كان شين ليسيل لعابه عليها وقتذاك, ولاشتهته لِما تبدى في مظهره من خطر. لِم منحت الطبيعة الأشرار كل الحيوية الفاتنة؟ مثل جافِن منذ سنوات مضت. لِم يتداخل الرعب والرومانسية في الكثير من الأحوال؟ دفَعت يدها إلى نقطة أبعد, حول كتفه, وهي تركع على الجليد. خالجها إحساس بعدم الراحة لضخامتها بالمقارنة معه. هَم على ما يبدو أن يريح رأسه على كتفها ثم عدَل عن الفعل. أقبل عليهما جدار من ضوء ساطع ساخن وأنار ظهر قلنسوته. خفَضت رأسها لتقي عينيها فحانت منها نظرة أقرب إليه. لاح كمن دهَمته صدمة. حدَّقت عينه الحية إلى ظليهما الملتصقين وهما يَطولان بسرعة على الجليد والمتنزه المُكَفَّن بينما ارتفع خلفهما صراخ سيارة الإسعاف وسيارتيّ الشرطة. غمَر النور الرجل المجنون القائم عند حد رقعة كما المروحة كشفتها المصابيح الأمامية. التفت أخيراً نحوهم, فبدا ناظراه شاخصين, وقفته رزينة لا تفصح عن خواطر, قبعة البيسبول بين يديه كمُعَز في جنازة. ستَقوم بالسلامة, أعادت على مسمعيّ شين وإن ودت في الحقيقة أن تمسك ذقنه وتدير وجهه بعنف نحو وجهها لتقول, انظر إليّ. |